محمد جواد مغنية
280
في ظلال نهج البلاغة
ومن جحد باللَّه واليوم الآخر فهو أعمى بالقياس اليهما ، وان كانت عيناه كعدسة التلسكوب ، ومن كانت الدنيا كل همه واهتمامه ، ولم يفعل شيئا لآخرته فهو في عمى عنها سواء آمن بها نظريا ، أم جحدها من الأساس ( والبصير ينفذها بصره ، ويعلم ان الدار وراءها ) . الهاء في ينفذها للدنيا ، والمعنى ان العالم يمتد نظره إلى ما وراء الدنيا ويدرك أن هناك كونا آخر ، ونشأة ثانية بعد نشأتنا هذه ، والذي لا حظناه وعرفناه أن أكثر الذين لا يهتمون إلا بأنفسهم ومشاكلهم ينكرون البعث والنشر ، ويقولون : ما دامت الدنيا هي الجنة فعلينا أن نتمتع بها إلى أقصى الحدود . ( فالبصير منها شاخص ) أي مسافر إلى الآخرة ، فهي هدفه ومثله الأعلى ، ولذا يعمل لها عملها ( والأعمى إليها شاخص ) أي يتطلع إلى الدنيا وحدها ، ويعمى عن الآخرة ( والبصير منها متزود ) بما يترك من أثر طيب ينتفع به الناس ( والأعمى لها متزود ) ومشغول بنفسه عمن حوله ( واعلموا انه ليس من شيء إلا ويكاد صاحبه يشبع منه - إلى - راحة ) . الانسان يحب الحياة على علَّاتها وتراكم آلامها ، ويكره الموت حتى الذين استعدوا له يلاقونه على كره ، ومن الذي يحب أن تفارق روحه بدنه إلا إذا كان بعمله ويقينه كعلي بن أبي طالب الذي قال حين استشهد : فزت ورب الكعبة . أما غيره فيخشى أن يكون ما بعد الموت أدهى وأمرّ . وقال قائل يؤمن باللَّه واليوم الآخر : « ولو إنا إذا متنا تركنا لكان الموت راحة كل حي » . ( وانما ذلك بمنزلة الحكمة ) . اختلف الشارحون فيما هو المراد من « ذلك » . وفي رأينا انه حب الدنيا المفهوم من سياق الكلام ، والمعنى ان في حب الحياة مصلحة وحكمة ، وهي البعث على الجد والاجتهاد « ولولا الأمل لبطل العمل » . وعن النبي الأكرم ( ص ) أنه قال : « الأمل رحمة ، ولولا الأمل ما أرضعت والدة ولدها ، ولا غرس غارس شجرا » . والمذموم هو طول الأمل ، لا أصل الأمل ، أو الأمل الذي يؤدي إلى أذى الناس والإضرار بمصالحهم ، ثم أشار الإمام إلى الحكمة بوجه العموم وقال : ( هي حياة للقلب إلخ ) . . الحكمة في حقيقتها هي العلم الصحيح والتدبير المحكم بوضع الشيء في موضعه ، وليس من شك ان الذي يدبر الأمور بعقل وعلم لا بد أن يكون سليم القلب والسمع والبصر ، وأن يصل إلى غايته تماما كالظمآن يرتوي من عذب الماء .